السيد محمد حسين فضل الله

391

من وحي القرآن

قوله تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ . ربما نستوحي من هذه الفقرة من الآية ، أن هناك قانونا طبيعيا فطريا في حركة الحياة الاجتماعية التي يعيشها الناس ، في ما أودعه اللّه في الحياة من قوانين تنظّم لها سيرها ، وتدفع بها إلى المجالات الكبيرة التي تحقق لها أهدافها العليا . . . وخلاصته : إن كل إنسان منا يعمل في اتجاه الأشياء التي يألفها ويريدها ويؤمن بها ، وفي اتجاه مقاومة الأشياء التي يكرهها ويرفضها أو يكفر بها ، لأنها تعطله عن الحصول على ما يريد . . . وربما يتحقق ذلك في الأفكار ، وربما يتحقق في الأشياء العامة ، وقد يحصل في القوى التي تحيط به . فإذا لاحظ أن هناك فكرا يقاوم فكره ، أو شيئا يواجه بعض الأشياء التي يحبها ، أو قوة تريد أن تصادم قوته فتصرعها وتهزمها . . . فإنه يبادر إلى الوقوف أمام تلك الأفكار والأشياء والقوى ، ليحمي فكره وأشياءه وقوّته . . . وهكذا تسير الحياة في أجواء الصراع ، فيتولد من ذلك الفكر المتنوع المتحرك ، والقوة المتجددة بما تملك من أساليب الحرب وأدواتها ، والأوضاع المختلفة المحيطة بالأشياء في وجوهها المختلفة . . . إن اللّه يريد أن يشير إلى هذا القانون الفطري الذي سارت عليه الحياة ، ولا تزال تسير ، في حركتها الاجتماعية ، فيقرر لنا قيمة هذا القانون ودوره في إصلاح الحياة ، فلولاه لفسدت الأرض ، لأن الإنسان الذي يبلغ مقدارا كبيرا من القوة ، يستطيع من خلاله أن يفرض رأيه وموقفه وذاته على الآخرين ، لا بد له من ممارسة السيطرة عليهم من خلال قوته . فإذا وقفوا منه موقفا سلبيا ضعيفا وتركوه يفعل ما يشاء ، كانت النتيجة أن يمتد في قوته وفساده ، ولا يفسح المجال للخير وللحق أن ينمو أو يعيش . ولما كان اللّه يريد للحياة أن تزدهر وتصلح ، كان الصراع في عملية دفع الناس بعضهم ببعض يفسح المجال لقوى الخير أن تؤكد وجودها ، ولو في نهاية المطاف ، عندما